الإنسان بين عالمين

بواسطة المحرر

فراس الوائلي.*.

لو زرنا التاريخ ودخلنا صرح الفلسفة العظيم لفتح لنا باب المعرفة أفلاطون صاحب نظرية المثل التي تتلخص بوجود عالمين وهما العالم المادي وعالم المثل وأن العالم المادي يتآكل بفعل المؤثرات الخارجية أما عالم المثل فتمتاز الأشياء فيه بالكمال وتتعالى فوق الزمان والمكان كما أن النفس كانت عارفة بالحقائق الكلية في ذلك العالم، وأما المعرفة الحاصلة في هذا العالم فهي استذكار لتلك المعارف في النشأة السابقة فالعالم المادي هو ظل للأشكال السرمدية في عالم المُثل وبذلك تنتهي نظرية المثل الأفلاطونية التي تحتقر الحواس كوسيلة في ادراك الحقائق الكلية المطلقة بمعزل عن العقل والتأمل.

ويسير على نفس الخط الفيلسوف الكبير ابن سينا الذي يرى بأن النفس العاقلة كانت في عالم القدس والألوهية وبأنها من طبيعة غير طبيعة هذا العالم ولا يعرف الحقائق المطلقة إلا العارف الفطن الذي تخلص من أسر الحس والحواس فعندها سيرى الحقيقة دون برقع جليلة الحضور حيث وصف ذلك في قصيدته الشهيرة ذات المطلع البراق بقوله:

هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ

                   وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــع      

مَحْجُوبَةٌ عَنْ مُقْلَةِ كُلِّ عَارِفٍ

                  وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ

وأما القرآن الكريم فهو يشير إلى وجود الإنسان في عالم يسبق الدنيا في مواطن عديدة منها قوله تعالى (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)[1] فالخزائن الإلهية تشتمل على الأشياء قبل تنزيلها في جسد الاقدار وهذا الحکم والأمر لا يختص بالإنسان، بل يشترك فيه القرآن والموجودات جميعا حيث الوجود الأول في خزائن الأزل.

وفي مشهد آخر يسلط القرآن الأضواء على هذه الحقيقة قائلا: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)[2] ومن الجلي بأن ذلك الاشهاد على النفس لم يكن في الدنيا قطعا بل في مرتبة وجودية سابقة لها قوانينها التي تختلف ولا تنسجم مع هذا العالم فمشاهدة النفس في عالم الملكوت مقترنة بمعرفة الله والعلاقة بينهما  بنحو المرآتية فمن عرف نفسه فقد عرف ربه كما جاء في الأثر.

وقد ذهب بعض الحكماء بالقول بأن أول نفس سبقت للإجابة بكلمة بلى في الآية الكريمة بعد السؤال الإلهي ( ألست بربكم) هي نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم نفوس الأنبياء فبعثه الله نبيا لأرواح الأنبياء في عالم الغيب فأخذ الله منهم ميثاق التوحيد والاقرار بالربوبية (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا)[3]. وهنا يتضح قول النبي(ص) (كنت نبيا وآدم بين الماء)[4].

ومن حضرة الملكوت يصور القرآن العالم الباطن قبل هذه النشأة الظاهرة في الحياة الدنيا بقوله جل شأنه (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (31)[5].

ومن الواضح بأن آدم هنا هو الانسان الكامل في عالم الملكوت الذي سبق الخلائق أجمعين في الإقرار بالتوحيد وهو نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي علمه الله الأسماء كلها حتى أقرت المخلوقات العقلية وملائكة الرب بعدم العلم وبذلك استحق مقام الخلافة الإلهية دونهم (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[6]. وهذا الجواب الملائكي متقدم رتبة عن الدنيا وليس فيها بل في عالم سبق عالم الأرحام.


[1] . سورة الحجر/ الآية 21

[2] سورة الأعراف/ الآية 172

[3] سورة الأحزاب/ الآية 7

[4] . صحيح مسلم، ج ٤، كتاب الفضائل

[5] . سورة البقرة/ الأية 31

[6] .سورة البقرة/ الآية 32

  • كاتب وناقد عراقي

مواضيع قد تهمك ايضا

Leave a Comment