مقالات وكتاب

كتلة الجنوب الحرجة ومؤتمرات الرموز

كتلة الجنوب الحرجه ومؤتمرات الرموز

…………………………….

احمد عبداللاه

في تاريخنا المقروء ، رموزٌ قادت الجنوب ، بحمد الله ، إلى ما آل إليه . ولأن الشعب عاش مرحلة انكماش رهيب فلم تبقَ في ذهنه سوى أسماء يتذكرها ، علّها تأتي يوماً ما معتلية صهوة فرس الحريه وقد غسلت وجوهها بالعبَر وسمت أخلاقها فوق الذات لتوفي ديناً بمثقال الجبال على كاهلها . هكذا ترسَّب في الذهنيه اليوميه صورة ( المناضلين ، الزعماء) ، المشَردين من بيوتهم بعد هزائم لا تحصى ، وبسيوف مختلفه تارة ينتحرون بها وتارة ينهزمون .

لقد ظل شعب الجنوب يحلم بنصرٍ واحد يخرجه من أرق الورطه العظمى في سياق سفره الحديث ، وحين يضع اقدامه على طريق الخلاص ويتعاظم شأنه ويتحرر من الصمت والخوف ويبادر بكسر الهيمنه ، يظهرون القاده على استحياء بعد بَيَات شاخت فيه طموحاتهم وصدئت سيوفهم ، يتحسسون طريقاً ما الى الصورة او المشهد ، ثم يكتشفون بان رمزيتهم محفوظه في برّاد مثالي صِرْف ، مسيّج بفطرة القوم على العفويه والولاءات المعنويه ، وهذا تراث متأصل في عقلية شعوب العرب ويظهر في شعب الجنوب كداءٍ عضال مُبهم وليس كمجرد ظاهره من سيكلوجيات المجتمع ، فهم ظلوا بالنسبة للشعب يمثلون خيط أمل في هذا السواد العميم ،

لكنهم حين أتوا كأمر واقع باشروا – أول ما باشروا – تقنين الطموح ، يبروزونه في إطار سياسي هزيل ويضعون سقوفهم عنوة فوق الرؤوس ، ثم يتفرقون ويتصدعون كالعاده . تلك اذاً هي عاداتهم فهم لا يملكون الجديد .

لكن العتب كل العتب الآن يقع على ابناء الجنوب الذين لم يكفّو عن الولاءات للأفراد ، حتى وأن وزّعونا مناطقاً وقرى ونواحي ، حتى وان مزَّقونا كتلاً ومؤتمرات وأسواق سياسيه ، حتى وان نرى وجوههم وقد ترك عليها الزمان عبثه وتداعياته ،

كل ذلك ونرى القوم مسلوبي الاراده ، بانتظار هذا المسيح او ذاك ليعود من عذابات منفاه ويهدينا الى سراطه .

لقد اثبت التاريخ والوقائع ان الجنوب لا يمتلك قيادات حقيقيه منذ الاستقلال ولم تُترك فرص للنخب القادره ان تأخذ الزمام بفعل الإقصاء القسري فاصبح ( الثوار والمناضلون ) يحملون الصفات القياديه السرمديه ذاتها كما بدأوها اول مره ، ونحملهم كميْسم على جباهنا ، وفي أنفسنا اغوارٌ من الجروح ، وحين غرسوا باعماقنا الذهنيه المناطقيه اصبح محرم ان تنتقد هذا ( الرمز ) او ذاك حرصاً على مشاعر ابناء منطقته او الموالاه ، وهذا عمق لمأساة لازالت تفعل فعلها مهما تحدثنا عن التصالح كضرورة حياتيه وكقيمة حضارية عاليه ، ونحن بامسّ الحاجه ان نجسّدها في سلوكنا وخياراتنا وان نتشبع بالبديهه الطبيعيه في وعينا الحداثي بان اي فرد يجب ان لا ياخذ مكانته من منطقته او من اي نفوذ معنوي خارج قدراته الشخصيه وتفوقه وندرته .

ان المنحى الذي تسلكه كل قياداتنا لا يشير الى امر نتطمن له خاصة بعد ان اثبتوا انهم لا يتذكرون من الجنوب سوى كراسي تهالكت ومجد يستجدي في الطرقات ما يسمح بذكره .

ان الخوف الأكبر الذي يساور الجنوب الان ليس موقف العالم او موقف الإقليم او مراكز القوى في صنعاء ، وإنما الخوف نابع من عقلية (الأماجد الأحياء) الذين يتسابقون على الزعامات والتمثيل بصورة لا يقبلها اي عقل سوي .

لكن السؤال الأكبر هو : هل سيذهب الجنوبيون خلف أسماء لم تعد تمتلك قدرة على التوافق بينها ، بعد ان ضرب التاريخ بين قلوبهم أسافين الفرقه وعدم الثقه والجمود المستميت خلف عقليات الإلغاء ، والسعي المستبسل لاحتكار المشهد السياسي الجنوبي ؟ ، وهل سينشق الناس وفقاً لأهواء( المناضلين ) الذين عادوا للتو من جوف التاريخ ؟ ،

هل يتشقق او يتصدع الجنوب فقط لكي تُشبَع غرائز حكامنا القدامى من أدمنوا الافتتان بالسلطه والجماهيرية التي وُلِدت من توابيت المنعطفات الحمراء ؟ ،

وهل نذهب كمناطق خلف أعلامنا وتضيع فينا لغة جمعيه تحمل مستقبل الأجيال فقط لان هذا الزعيم او ذاك أخذوا على عاتقهم مواقف وعقلية الفرقاء الذين لن ترى الشمس جمعهم على قاعدة ارادة الشعب ؟ ،

مع الأسف ممكن جداً ان يتصدع الجنوب على خطى عقليتهم التواقة للحكم والجماهيرية والرخاء السلطوي والمجد بأي لون او ثمن .

ولان ذلك ممكن فان جلَّ ما نخشاه هو أن نصحو يوماً لنرى الصدع وقد عاد مجيدا قويا بمسميات اكثر حداثه وطراوة واناقه ولكن أشدّ وطأه ، ينقسم الشارع على اثرها الى تفرعات يستحيل لمّها ورتقها ، ونصبح لقمة على طبق في العراء ، نلعن قادتنا مرة أخرى ، ولكن هذه المره ستنزل اللعنة علينا أجمعين .

اذاً في الخلاصه ؛ على الجنوب أن يتوافق أولاً ، ولا سبيلٌ غير مؤتمر حوار جنوبي منفتح بنضج سياسي وحكمة تقينا من الموت ، مؤتمر خارج مؤتمرات الرموز كأفراد أو كتل ، ينتظم في قائمته الجميع بشكل ناصع الوضوح خارج لغة اللوغاريتمات ألتي ( ظاهرها كليشيهات مبادئ ، وباطنها هوى ) .

إن الجنوب بحاجه ماسه لوجود حوار بيني قبل اي تفكير بالذهاب الى حوار المبادره الخليجيه لان العكس سيعقّد القضيه الجنوبيه ويتفرق دمها بين الكتل ، وهذا ما يتمناه الخصوم ولن يلتفت اليه الأشقاء في الاقليم – كعادتهم – الذين يظهرون درجة عاليه من البرود والاستخفاف بقضية الجنوب .

وَإِنْ تعثَّر القاده عن الحوار والوفاق فلن يكون أمام الجنوب سوى حسم أمره من خلال كتلة شعبيه (حرجه) تمثل الغالبيه من كل مناطقه ، واقصد بالحرجه تلك التي رايناها في نوفمبر ٣٠ ، تلك التي تبلغ قدرتها حدَّ تثبيت وفرض أمرٍ واقع على الأرض ، لا احد بعده في الداخل او الخارج يقوى على أعادته الى صالات الساسه والحوارات التي تنتقص من حق الجنوب ولم تعده حتى بوهم يقنع به من أراد ان يقتنع . كتلة تصنع المبادره على الواقع وتمنع كل الطبقه السياسية العتيقة من التصرف مرة أخرى بمستقبل الجنوب ، ويجب على قيادات الميدان والنشطاء السياسيين تدارس امرها وتنظيمها بأرقى صور ، آخذة العبره من الربيع العربي الذي اختُطف في مهده وتم التهام الثوار الحقيقيين ليطفو على السطح الباحثون عن السلطة .

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى